رواق البحث والفكر والأدب
    العودة إلى المقالات
    نقد أدبي
    2026-09-24

    سقطت الساقان ونهض المعنى: تفكيك "العاهة" في قصة "قدر محمود" للقاصة ليلى مرجان

    سقطت الساقان ونهض المعنى: تفكيك "العاهة" في قصة "قدر محمود" للقاصة ليلى مرجان

    بقلم: الناقدة رجاء بنحيدا

    قدر محمود ( القاصة ليلى مرجان )

    مشلولا رأى النور؛ قدره الحتمي. سعى أبواه جاهدين لتطبيبه على أمل أن ينعما به مستويا، حمدا الله نهاية المطاف أن نالا مبتغاهما ولو برجلين متفاوتتين طولا. عاش ماجد كباقي أقرانه؛ نال من التحصيل الدراسي نصيبه، شغل منصبا تمناه أترابه إلى جانب كونه مخرجا مسرحيا، جاب المسارح مشرفا على إبداعه الراقي الذي استهله بتأطير الشبيبة في دور الشباب، انتشى بنجاح بعضهم في مجال التمثيل الاحترافي على الصعيد الوطني. شخصية ماجد منفتحة، قلبه ذهب خالص، روحه نضالية.

    ذات سوء حظ همَّ بركوب القطار، رِجلٌ على دُرجِهوالأخرى لم تبلغه بعد، التفت ملبيا نداءً والقطار متأهب ومنطلق، اختفت رجلاه بسرعة البرق فوق السكة الحديدية.

    ممددا في إحدى المصحات زاره صديق الطفولة وزوجته؛ إحدى المتمرنات تحت إشرافه ريعان شبابها.

    - لم عيناكِ متورمتان، ودموعكِ هطالة؟ صدمها متسائلا

    - حزنا على حالك. أجابت تنظر إلى ساقيه المبتورتين؛ والأبيض يكفن ما تبقى من رجليه، وسيل الدمع -رغم محاولة إيقافه- منهمر.

    - الحمد لله أن أنعم الله علي بحياة جديدة، أنا بخير، أشكرفضله علي أن أتاح لي التفرغ لمواصلة التأليف.

    أنا يا أخية -كما يعلم زوجكِ- ولدت مشلولا، ومن نعم الله علي أن منحني قدرة المشي، أديت بها كل ما كنت أحلم به؛ دراسة موفقة، وظيفة محترمة، زواج مبارك،

    وولدان ازدان بهما البيت؛ عشت السعادة كما أحببت،وشاء الله أن يستعيد منحته؛ التي أنعم علي بها رأفةً بي. فلم الحزن وقد خلقت مشلولا؟

    *******************

    سقطت الساقان ونهض المعنى: تفكيك "العاهة" في قصة "قدر محمود" للقاصة ليلى مرجان

    بقلم: الناقدة رجاء بنحيدا

    أيها القارئ؛ أتساءل معك: هل نحن أمام قصة جسد أم أمام فلسفةِ وجود؟ وهل كان القطار في قصة "قدر محمود" أداة بتر شقية….أم كان المشرطَ الذي انتزع الزائد المستعار ليُعيدَ البطل إلى أصله الأول؟

    يُطالعنا هذا النص المكثف بوصفه «مُرافعةً جمالية ضدَّ العدم»، حيث يتداخل الثقافي بالوجودي، وتتحول فيه الإعاقة الجسدية من بؤرة مأساة إلى منصة استعلاء روحي…وأمام هذه المفارقة الشاخصة بين "المنحة والمُستعار"، يتولد في الأذهان سؤال حائر: كيف يستقيمُ أن يكون "القدر المبتور" قَدَرا "محمودا"؟؟؟

    لتفكيك هذه المفارقة ، تضعنا الكاتبة ليلى مرجان منذ العتبة الأولى (العنوان) أمام معادلة دلالية تتحدّى المنطق المادي الظاهر…حيث يبدأ النص بـ «مشلولاً رأى النور»، وينتهي بـ «فلم الحزن وقد خلقت مشلولا؟». إننا هنا أمام بنية دائرية محكمة….فالجسد الذي مشى بساقين مائلتين ردحا من الزمن، إنما كان يعيش "استثناء طارئا"!!

    ومع الولوج إلى دهاليز "خطاب التسليم"، يمارس البطل "ماجد" تفكيكا واعياً لمفهوم "الفقد"؛ فهو لا يرى البتر كـ "حرمان"، بل كـ "استرداد إلهي لوديعة أدت وظيفتها كاملة". ألم يحقق بها الدراسة، والوظيفة، والزواج، والإخراج المسرحي؟ ألم يطُف بها دور الشباب ليزرع الحياة في أجساد الآخرين؟ وكأن الساقين لم تُبترا فوق السكة الحديدية، بل انقضت مدة صلاحيتهما الوظيفية في مسرح الحياة!

    وهنا ينبثق سؤال آخر حول مجريات هذا العرض المفصلي: هل كان "ماجد" مخرجا مسرحيا بالصدفة؟ أم إن حياته كلها كانت "عرضا مسرحيا" نصَب خيمته فوق خشبة الإرادة؟

    تتجلى الإجابة حين يظهر "القطار" كاستعارة للزمن الصارم؛ فالقطار في الأدب الرمزي هو حركة الزمن المتسارعة التي لا تنتظر أحدا، وكانت التفاتة "ماجد" تلبية للنداء بمثابة لحظة قاطعة بين زمنيْن: زمن "السعي المادي" وزمن "التفرغ التأليفي". إن القصة لا تقدم بطلاً ينكفئ على ذاته، بل بطلا يمنح الساقين والروح للآخرين؛ والمفارقة الساطعة تكمن في أن الزائرة التي تبكيه بحرقة هي إحدى تلميذاته في "ريعان شبابها"، والتي تمثل "الجسد السليم/الروح العاجزة عن الاستيعاب"، بينما يمثل ماجد "الجسد المبتور/الروح المكتملة اليقين".

    وهذا يقودنا بالضرورة إلى المواجهة الدرامية الحادة التي تفتت مركزية الفجيعة: أتبكي الأجسادُ حين تشبعُ أرواحها تحثيثا وإنجازا؟

    بين ثنايا هذا السرد، يحدث انقلاب في السجال الدرامي فتنعكس الأدوار…فبدلا من أن يكون المريض هو المتلقي للمواساة، يتحول هو إلى «مُواس ومعلّم». إن دموع الزائرة ليست حزناً على ماجد بقدر ما هي هلعُ الإنسان "المتعلق بالخصائص المادية للجسد"….إنها تُبصر "الساقين المبتورتين واللفائف البيضاء"، بينما يُبصر ماجد "الصفحات البيضاء التي تنتظر التأليف". وتتجلى في النص نبرة رضا إيمانية عميقة تتسامى على الفجيعة الجسدية…فالكلمة لديه ليست مجرد عزاء، بل هي استبدال لأداة الحركة: «أتاح لي التفرغ لمواصلة التأليف» — لقد انتقلت الحركة من قدمين تطآن الأرض إلى قلم يطأ سماء الفكر.

    وفضلا عن هذا البناء الرؤيوي، تتكشف القوة التفكيكية للنص عبر انقسام معرفي حاد في تمثّل الحادثة بين منطقين متوازيين…فالزائرة تحصر الفجيعة في أبعادها المادية الملموسة، فترى في البتر عجزا وحرمانا ومأساة تبكي بدموع ورمها الحزن، وترى في القطار حادثا شقيا ساقته المصادفة القاسية، وفي الساقين عضوا جوهريا سُلب عنوة. بالمقابل، يتسامى ماجد فوق هذا المنطق الضيق ليُعيد تعريف الأشياء ضمن أفق وجودي مغاير…فيغدو البتر لديه استعادة إلهية لوديعة أدت دورها، والقطارُ قاطعا زمنيا حاسما ينقله من فاعلية الجسد إلى فاعلية الفكر وطور التأليف، بينما تجسد الساقان أداة أدت وظيفتها كاملة ثم انقضى أجلها المادي ليفسح المجال للقلم والصفحات البيضاء.

    إن هذا التقابل لا يعكس اختلافا في الإدراك السطحي فحسب، بل يؤكد التحول النسيجي للنص من عارية الجسد الزائلة إلى إطلاق السامق من الروح، ممهدا بذلك لثنائية أعمق تتعلق بفاعلية القلم والكلمة بوصفهما المظهر الأسمى للوجود الإنساني بعد صمت الجسد. لقد تمكنت قصة "قدر محمود" — في مساحة نسيجية قصيرة— من تقويض الإدراك التقليدي للعاهة…فلم يكن ماجد ضحية لقطار غافل، بل كان بطلا تراجيديا ممتلئا بالرضا، يرى أن الحياة رحلة عطاء اكتملت أركانها المادية، وما المتبقي منها إلا صياغة الفكر بالكلمة.

    أفبعد كل هذا، أكان للبتر أن ينال من رجلٍ يطير بأجنحة الفكر والروح؟ أم إن النص يهمس في أذاننا جميعا: «إن الشلل الحقيقي ليس في الأقدام التي تعجز عن المشي، بل في الأرواح التي تعجز عن استيعاب حكم القدر»؟؟؟

    بقلم: الناقدة رجاء بنحيدا

    وقت القراءة: 8 دقائق

    شارك المقال:واتسابفيسبوك

    مقالات ذات صلة

    الأدب والتكنولوجيا

    الكتاب الصوتي ("بوك كاست"): كنز المعرفة وتجسيد الكلمة المقروءة في العصر الرقمي

    دراسة حول أهمية الكتب الصوتية وتأثيرها في نشر المعرفة وتعزيز الثقافة في العصر الرقمي، مع استعراض لمنصات الكتب الصوتية المختلفة.

    إضافة موضوع